الغرامات والمصادرات الجمركية ذات طبيعة مزدوجة؛ فهي تُعدّ جزاءً من جهة وتعويضاً للدارة من جهة أخرى، فلا يشملها العفو العام في شقها المدني إلا بنصّ خاص. كما أن الحبس التنفيذي لا يُعدّ عقوبة، بل إجراءً لضمان التنفيذ والتحقق من ملاءة المدين سيئ النية.
الى النائب العام – دمشق اشارة الى احالتكم رقم 264 تاريخ 9 / 3 / 1961 على كتاب المحامي العام بحلب رقم 1070 / 1 تاريخ 7 / 3 / 1961 : يتضح من الرجوع الى الأوراق أن المدعو خليل من أهالي منطقة جرابلس قد حكم عليه من قبل اللجنة الجمركية في حلب بحكمين، قضى أولهما بتغريمه أربعة عشر ألف وسبعماية ليرة سورية فضلاً عن مصادرة الأفيون وواسطة النقل وذلك بتاريخ 18 / 7 / 1951 ، وقضى ثانيهما بتغريمه ثمانية آلاف وسبعماية وست وتسعين ليرة سورية بالاضافة الى المصادرة وذلك بتاريخ 7 / 12 / 1952 ، وقد اكتسب الحكمان الصفة المربمة. هذا وإن المحكوم عليه قد جاوز السبعين من العمر بتاريخ نشر قانون العفو 3 لعام 1958 كما يتضح من قيده الدال على أنه من مواليد عام 1882 . وفي ضوء ما جاء في الأوراق فإن ما يلزم بحثه ينحصر في النقاط التالية: الأولى – هل أن قانون العفو رقم 3 يشمل المخالفات الجمركية؟ الثانية – هل أن الحبس التنفيذي عقوبة؟ الثالثة – هل يشمل العفو العام الحبس التنفيذي؟ عن النقطة الأولى: إن الغرامات والمصادرات الجمركية تحمل طابع التعويض بالنسبة لادارة الجمارك (المادة 336 من قانون الجمارك)، كما أنها تحمل طابع الجزاء أيضاً لأنها عقوبة مقررة على مخالفات أنظمة وقوانين الجمارك، وهذه الصفة المزدوجة تحملها جميع الغرامات والمصادرات في مخالفات الأنظمة المالية والاقتصادية. وإن إنصاف الغرامات والمصادرات في مخالفات الأنظمة المشار اليها سابقاً بالطابع المزدوج من شأنه أن يستثني الناحية المدنية منها من أحكام قانون العفو العام إلا إذا جاء نص يقضي بشمولها بأحكامه. وبما أن هذا المبدأ، أي مبدأ الاستثناء من العفو، قد أكده الشارع في قوانين العفو المتعاقبة ومنها قانون العفو رقم 3 لعام 1958 عندما نص في مادته الثالثة: «لا تأير لهذا العفو على دعوى الحقوق الشخصية العائدة للأفراد أو للدوائر العامة إلا ما ورد ذكره في الفقرة (ز) من المادة الأولى» وهذه الفقرة تضمنت حكماً خاصاً بشمول العفو للالزامات المدنية المحكوم بها للدولة في جرائم الحراج والتبغ. لذلك فإن الناحية المدنية من مخالفات الأنظمة الجمركية غير مشمولة بقانون العفو. أما ما جاء في المادة الثالثة من قانون العفو بأن المذكورين في الفقرتين (آ، ب) من المادة الأولى (البالغين السبعين أو المصابين بأمراض عضالة غير قابلة للشفاء) يستفيدون من أحكام قانون العفو العام ولو كانت جرائمهم مستثناة من أحكامه، فالمقصود به الجرائم التي يقضي فيها بعقوبات جزائية بحتة (مانعة الحرية أو مالية) لأن هذه الستفادة ينبغي أن تكون في مجال شمول قانون العفو نفسه وهذا الشمول ينصب على النوعين المشار اليهما فقط. هذا ولو قلنا بغير ذلك لكان معنى الحكم الوارد في المادة الثالثة استفادة المذكورين في الفقرتين (آ، ب) من العفو عن العقوبات المسلكية أيضاً مما هو غير وارد أصلاً. عن النقطة الثانية: لا يعتبر الحبس التنفيذي عقوبة ولم تضمن معنى الحبس، لأنه وسيلة من وسائل التحقق من ملاءة المدينين سييء النية الذين يقومون بتهريب أموالهم واخفائها بغية عرقلة التنفيذ عليها. إذا فاله يعتبر من وسائل ضمان التنفيذ Garantie d'esecution ( قرار محكمة النقض الفرنسية 6 نيسان 1938 دالوز الأسبوعي 1938 )، هذا وقد تأكد المبدأ السابق بما جاء في نظام القضايا الجمركية أيضاً. عن النقطة الثالثة: لا شك في أن العفو العام ينزع الصفة الجزائية عن الفعل فيغدو جرماً مدنياً، وهذا المبدأ مقرر في التشريع والاجتهاد غير أن الصعبوة هي في معرفة ما إذا كان يجوز اللجوء الى الحبس التنفيذي للضغط على المدين المحكوم عليه بغية تحصيل تعويض ضرر ناتج عن جرم جزائي جرى شموله بالعفو العام، اختلف الرأي حول هذا الموضوع فذهب أحد الآراء الى أن العفو العام ينزع الصفة الجزائية عن الفعل بأثر رجعي فيغدو جرماً مدنياً فقط، لذا فإنه لا يمكن اللجوء الى الحبس التنفيذي لتحصيل التعويض المحكوم به في جرم جزائي لزوال الصفة الجزائية عنه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم القاضي بالتعويض قد اكتسب الصفة المبرمة قبل نشر قانون العفو أو بعده (ومن هذا الرأي الغرفة الجزائية في محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 24 آذار 1949 دالوز الأسبوعي 1949 ، وقرارها تاريخ 22 تشرين الثاني 1951 دالوز الأسبوعي 1952 ). وذهب رأي آخر الى القول بأن الحكم القاضي بالتعويض إذا كان قد اكتسب الصفة المبرمة قبل صدور قانون العفو، فلا مانع من اللجوء الى الحبس التنفيذي لضمان الحصول على التعويض سواء أكان القاضي الجزائي قد قضى به مع دعوى الحق العام أم كان القاضي المدني هو الذي قضى به ما دام قد استند على الحكم الجزائي السابق في الصدور عنه، لأنه في هاتين الحالتين يكون قد تقرر اسناد التعويض المدني الى جرم جزائي ولا عبرة لنزع الصفة الجزائية عن الفعل بعد ذلك بالعفو ما دام الحكم قد اكتسب الصفة المبرمة قبل نشره (ومن هذا الرأي الغرفة المدنية في محكمة النقض في قرارها الصادر بتاريخ 26 شباط 194 جريدة القصر 1934 – 1 – 807 ومحكمة ليون الابتدائية في 24 حزيران 1949 جريدة القصر 1949 – 2 – 209). وإذا رجعنا الى قانون أصول المحاكمات المدنية وجدنا أن الشارع قد نص في المادة 460 / 1 على أنه يمكن اللجوء الى الحبس التنفيذي لتأمين استيفاء «تعويض الأضرار المتولدة عن جرم جزائي»، (وتقابل المادة الثانية من قانون 22 تموز 1867 الفرنسي)، أي يكفي أن يتقرر بأن التعويض هو بشأن ضرر متولد عن جرم جزائي بحكم اكتسب الصفة المبرمة قبل نشر قانون العفو حتى يمكن اللجوء الى الحبس التفنيذي لضمان الحصول عليه، لأن الشارع نفسه لم يشترط بقاء الصفة الجزائية حتى الانتهاء من مدة الحبس التنفيذي. كما وأن صدور قانون العفو ليس من شأنه أن ينفي كون التعويض قد تقرر في جرم جزاتئي. لذلك فإننا نرى أن موضوع السؤال يمكن حله في ضوء المبادىء السابقة وفي ضوء قوانين العفو المتعددة. (كتاب 5288 تاريخ 3 / 6 / 1961) وزير العدل