قابلية قرار القضاء للمخاصمة مشروطة بأن يكون قراراً نهائياً فاصلاً في الموضوع وحائزاً قوة القضية المقضية؛ فإذا كان القرار وقتياً أو غير منهٍ للنزاع أو لا يرفع يد المحكمة عن أساسه، امتنع الطعن عليه بدعوى المخاصمة.
إن القرارات التي تقبل المخاصمة هي القرارات الباتة في الموضوع والحائزة على الحجية المطلقة، أما القرارات الوقتية أو تلك التي لا ترفع يد المحكمة عن موضوع النزاع؛ وغير الفاصلة بأساس النزاع بحكم مبرم؛ فهي لا تخضع لدعوى المخاصمة . المناقشة: أسباب المخاصمة:· انحرفت الهيئة المخاصمة عن الحد الأدنى للمبادئ الأساسية في القانون والجهل الفاضح المتعمد للوقائع الثابتة في الدعوى.· خالفت الهيئة المخاصمة أحكام المادة 56 أصول محاكمات جزائية، والتي نصت على أنه لا يجوز لقاضي التحقيق أن ينظر ويحكم في الدعوى التي حقق فيها، وأن القاضي السيد (.) الذي ردّ طلب إخلاء السبيل عندما كان قاضي تحقيق لم يتخذ أي إجراء يكون قناعة أو رأي في القضية. · إن الهيئة المخاصمة ارتكبت خطاً مهنياً جسيماً عندما قبلت دعوى الانعدام وخالفت اجتهادات الهيئة العامة لمحكمة النقض.· الهيئة المخاصمة ارتكبت خطاً مهنياً جسيماً عندما تجاهلت قاعدة الانبرام يغطى البطلان .· خالفت الهيئة المخاصمة الاجتهادات المستقرة، واعتبرت أن النظر برد طلب إخلاء السبيل يحجب الحق عن القاضي في النظر بالدعوى.· واستطراداً فإن قرار الهيئة العامة لمحكمة النقض رقم 773/398 تاريخ 10/20/2003 قد نص على أنه إذا ما وجد المطعون ضده أن القرار الناقض قد تضمن خطاً مهنياً جسيماً، فيجب عليه مخاصمة ذلك القرار توصلاً لإبطاله لمنع اتباعه ومن الخطأ أن يتابع الدعوى حتى صدور القرار الذي يلتزم بالقرار الناقض.النظر في دعوى المخاصمة:لما كانت دعوى المخاصمة هذه المقدمة من مدعي المخاصمة (.) و(.) تهدف إلى إبطال القرار المخاصم رقم 1437/1484 تاريخ 2017/9/19 الصادر عن الغرفة الجنائية لدى محكمة النقض والمتضمن قبول الطعن ونقض القرار والمطالبة بالتعويض، لعلة أن الهيئة المخاصمة قد وقعت في الخطأ المهني الجسيم للأسباب المبينة بلائحة المخاصمة.ولما كانت وقائع الدعوى الأصلية التي تفرعت عنها دعوى المخاصمة هذه تشير إلى أنه بتاريخ 2006/7/6 حيث قدمت الطفلة (.) إلى محل المدعى عليه (.) بتكليف من والدتها لشراء مادة بيكمبودر خاصة بصناعة الكاتو، والطفلة آية تبلغ من العمر ست سنوات، حيث قام المتهم بإعطاء الطفلة حبة سكاكر وأخذها خلف البراد وقام بإخراج قضيبه الذكري ووضعه في فمها ومن ثم خاف أن يراه أحد الزبائن، حيث أعطى الطفلة حاجتها وطلب منها المغادرة، وكانت الطفلة آية قد أعلمت والدتها مدعية المخاصمة والتي بدورها أعلمت والد الطفلة المخاصمة - مدعي حيث تقدموا بشكوى بحق المدعى عليه (.)، وأحيلت الشكوى أمام قاضي التحقيق في اللاذقية، وكان المتهم (.) قد اعترف أولياً بما نُسب إليه، وتوافقت أقواله مع أقوال الطفلة آية، وكان قاضي التحقيق أصدر قراره المتضمّن رفع الأوراق لقاضي الإحالة ليصار إلى اتهام المدعى عليه (.) بجرم إجراء الفعل المنافي للحشمة بقاصر لم تتم الثانية عشر من عمرها، وفق أحكام المادة 2/495 ع عام. كما وأصدر قاضي الإحالة في اللاذقية القرار رقم 405/1601 تاريخ 2007/7/18 المتضمن من حيث النتيجة اتهام المدعى عليه (.) صاحب محل سمانة بجناية إجراء الفعل المنافي للحشمة بقاصر وفق المادة 2/495 ع عام، وإجراء محاكمته من أجل ذلك أمام محكمة الجنايات في اللاذقية، وقد صدق القرار نقضاً من قبل محكمة النقض غرفة الإحالة بموجب القرار رقم 448/473 تاريخ 2008/3/10أحيل الملف أمام محكمة الجنايات في اللاذقية، حيث أصدرت محكمة الجنايات القرار رقم 169/605 تاريخ 2014/8/19 المتضمّن من حيث النتيجة: تحريم المتهم (.) بجناية إجراء الفعل المنافي للحشمة بقاصر لم تتم الثانية عشر من عمرها، المعاقب وفق أحكام المادة 495 / 2 ع عام، ووضعه بسجن الأشغال الشاقة مدة 12 سنة، وللأسباب المخففة التقديرية تخفيضها إلى النصف لتصبح ست سنوات وإلزامه بدفع التعويض للجهة المدعية.وقد صدق القرار نقضاً من قبل محكمة النقض بالقرار رقم 1395/1460 تاريخ 2014/10/26 ، تقدم المتهم المحكوم (.) بدعوى انعدام لقرار محكمة الجنايات حيث أصدرت محكمة الجنايات في اللاذقية قرارها رقم 256/1793 تاريخ 6/7/2017 المتضمن رد دعوى الانعدام شكلاً.تم الطعن بالقرار المذكور حيث أصدرت محكمة النقض الغرفة الجنائية القرار الناقض رقم 1484/1437 تاريخ 2017/9/19 والمتضمن قبول الطعن ونقض القرار بتعليل أنه لا يجوز للقاضي (.) الذي نظر في الدعوى لجهة طلب إخلاء السبيل، عندما كان قاضي تحقيق مناوب أن ينظر فيها ثانيةً أمام محكمة الجنايات، وهو تعليل خاطئ ومخالف لاجتهاد الهيئة العامة.أعيد الملف أمام محكمة الجنايات في اللاذقية، حيث أصدرت محكمة الجنايات القرار رقم 1100/506 تاريخ 2018/9/26 ، المتضمن من حيث النتيجة اتباع النقض وتقرير إعلان انعدام قرارها السابق، والحكم بتجريم المتهم (.) بجناية الفعل المنافي للحشمة بقاصر لم تتم الثانية عشر من عمرها، وذلك بعد تصحيح هيئة المحكمة وقضت بالعقوبة ذاتها الواردة في الحكم السابق. تم الطعن بالقرار المذكور من قبل المتهم (.).حيث أصدرت محكمة النقض القرار رقم 1855/1794 تاريخ 2018/12/4، المتضمن قبول الطعن ونقض القرار المطعون فيه موضوعاً، وأعيد الملف أمام محكمة الجنايات وبتاريخ 2019/7/8، تقدم مدعي المخاصمة (.) و(.) بادعائهم حيث تم مخاصمة القرار الناقض رقم 1437/1484 تاريخ 2017/9/19 ، وتم طلب ملف الدعوى من قبل الهيئة العامة لمحكمة النقض من محكمة الجنايات، والتي أصدرت قرارها بترقين قيد الدعوى وإرسال الملف إلى الهيئة العامة. وكانت الهيئة العامة لمحكمة النقض أصدرت قرارها رقم 112/429 تاريخ 2019/10/1 :المتضمن قبول دعوى المخاصمة شكلاً، ووقف تنفيذ القرار محل المخاصمة، وفتح جلسات المحاكمة، وتم رفع الأوراق للتدقيق، بعد أن تقدم الأطراف بدفوعهم وطلباتهم.ولما كانت الهيئة المخاصمة قد خالفت الاجتهاد المستقر للهيئة العامة لمحكمة النقض بما جاء بقرارها المخاصم.ولما كان مدعي المخاصمة (.) بصفته الشخصية وبصفته وكيلاً جبرياً عن ابنته القاصر آية؛ قد خاصم قرار الغرفة الجنائية لدى محكمة النقض رقم 1437/1484 تاريخ 2017/9/19 ، والمتضمن قبول الطعن موضوعاً، ونقض القرار المطعون فيه، وإعادة الملف لمرجعه.ولما كان اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض مستقراً إن القرارات التي تقبل المخاصمة هي القرارات الباتة في الموضوع والحائزة على الحجية المطلقة، أما القرارات الوقتية أو تلك التي لا ترفع يد المحكمة عن موضوع النزاع؛ وغير الفاصلة بأساس النزاع بحكم مبرم؛ فهي لا تخضع لدعوى المخاصمة، ومن جهة أخرى فإن تراخي مدعي المخاصمة بإقامة دعوى المخاصمة حيث أصدرت محكمة الجنايات في اللاذقية قرارها، ومن ثم أصدرت محكمة النقض الغرفة الجنائية القرار الأخير رقم 1855/1794 تاريخ 4/12/2018 ، وقد رتب هذا القرار مراكز قانونية جديدة، وكان يتعين على مدعي المخاصمة أن يخاصم القرار الأخير وفق ما هو عليه قانون أصول المحاكمات المدنية.ومن حيث إنه ينبغي التنويه إلى أن قرار محكمة الجنايات بالتجريم، وتصديقه من قبل محكمة النقض، مما تعين أن القرار انبرم فيما قضى به سيما وأن دعوى الانعدام ثبت عدم صحتها، وكان لا يجوز لمحكمة النقض مُصدِرة القرار الأخير إلا أن تبحث في موضوع الانعدام فقط كون الناحية الموضوعية قد انبرمت بقرارات سابقةومن حيث إن القانون والاجتهاد أوجبا مخاصمة القرار الأخير، مما يتعين معه رد دعوى المخاصمة شكلاً كون مدعي المخاصمة لم يخاصم القرار الأخير الصادر في هذه الدعوى.ولما كانت هيئتنا وبقرار سابق قررت قبول دعوى المخاصمة شكلاً ووقف تنفيذ القرار المخاصم، ولما كان يجوز الرجوع عن قرار القبول شكلاً إذا تبين أن هناك خللاً في الشكل؛ مما يتعيّن معه الرجوع عن قرارنا السابق ورد دعوى المخاصمة شكلاً.لذلكتقرر بالإجماع1 – الرجوع عن قرارنا السابق بقبول دعوى المخاصمة شكلاً ووقف تنفيذ القرار المخاصم.2 – رد دعوى المخاصمة شكلاً.3 – مصادرة التأمين وعدم البحث بالرسم. 4 – إعادة الملف لمرجعه محكمة الجنايات في اللاذقية للبت بالدعوى بعد النقض، ووقف مقتضيات قرار الهيئة العامة.