إذا كانت الصيغة المنسوبة للزوج من الألفاظ المصحفة أو المحلّية التي لا تنصرف عرفاً إلى الطلاق الصريح ولا تدخل في الكناية المعتبرة، فلا يصح الاستناد إليها وحدها لإثبات وقوع الطلاق إلا إذا قامت قرينة أو نية معتبرة وفق أحكام الكنايات، أو ثبتت الصيغة الصريحة على وجهٍ لا لبس فيه.
إن الطلاق بصيغة أنت (طارق) من الألفاظ المصحفة وليست من ألفاظ الطلاق الصريح ولا الكنائي. ويقع الطلاق ولو بالألفاظ المصحفة، نحو (طلاغ – وتلاغ – وطلاك – وتلاك) لأن هذه الألفاظ هي من ألفاظ الطلاق باللغة العامية في لجهات سكان بعض المناطق. إن الطلاق لا يصح وقوعه إلا بصيغة مخصوصة، والصيغ المخصوصة بالطلاق صيغ صريحة وأخرى كنائية، فالصريحة ما ظهر والمراد منها ظهوراً بينا حتى صار مكشوفا بحيث يسبق إلى فهم السامع بمجرد سماعه حقيقة كان أم مجازاً، أما الألفاظ الكنائية فهي الألفاظ التي لم توضع للطلاق وتحتمله ،وغيره، ولا يقع الطلاق بالكنايات بمجرد صدور لفظ منها، بل يتوقف وقوعه على أحد أمرين، الأول: النية من الزوج والآخر : دلالة الحال، لأن الكنايات غير مختصة بالطلاق فلابد من مرجح. المناقشة: أسباب الطعن ١ – في خطأ المحكمة بتحريف أقوال الموكل: إن الموكل خاطب زوجته ممازحا إياها قائلاً لها بالحرف أنت طارق وأصر أمام المحكمة أنه لم يقل لها عبارة أنت طالق ورغم ذلك جزأت المحكمة كلامه واقراره بصورة مغايرة للواقع وبدون وجه حق حيث ورد في متن القرار أنه صادق على أقوال ولده ولم يعترض في حين أنه ذكر صراحة بأنه لم يلتفظ بألفاظ الطلاق ولم تتثبت المحكمة بالوسائل المشروعة من كلامه بل حكمت بخلاف الواقع والقانون وصدر قرارها معتلا وجديراً بالفسخ لهذه الناحية. ٢ – في عدم توجيه اليمين القانونية لطرفي الدعوى: كان الأجدر بالمحكمة توجيه اليمين القانونية لطرفي الدعوى للتثبت من صحة أقوالهما خصوصاً وأن واقعة الطلاق تتعلق بحقوق الله تعالى عز وجل إلا أن المحكمة سارت على خلاف هذا النهج مما جعل قرارها معتلاً وجديراً بالفسخ لهذا السبب أيضاً. – ٣ – إن المحكمة أصدرت قرارها وفقاً لأقوال شاهد قاصر كل الحكم بني على أساس شهادة شاهد واحد وهو القاصر ابنهما محمد تولد ۲۰۰٦ وإن اكتفاء المحكمة بأقوال شاهد غير مميز ووحيد يخالف النص الشرعي والقانوني لذلك يكون القرار جديرا بالفسخ لهذه الناحية أيضاً. لذلك نلتمس: ۱ قبول الطعن شكلاً وإعطاء القرار بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه. ۲ – قبول الطعن موضوعا ونقض القرار المطعون فيه. النظر في أسباب الطعن : في الشكل : لما كان الطعن مستوفيا شروطه الشكلية القانونية كافة بوجب قبوله شكلا . في الموضوع لما كانت المحكمة قد استجوبت الطرفين بجلسة ٢٠٢٣/١٠/١٦ فذكرت المدعية المطعون ضدها أن المدعى عليه الطاعن قد طلقها بتاريخ ٢٠٢٠/٩/٢٠ أثناء وجـودهـمـا في جرمانا حيث قال لها أنت طالق ولم يرجعها بعد ذلك بينما ذكر المدعى عليه الطاعن أنه لا صحة لأقوال المدعية وأنه لم يطلقها بتاريخ ۲۰۲۰/۹/۲۰ وإنما طلقها مرة واحدة فقط بعام ۲۰۱۱ وارجعها خلال فترة العدة ولم يطلقها سوى هذه المرة وكانت المدعية قد نكرت بذات الجلسة أن ابنها محمد سمع الطلاق من والده ومستعد للادلاء بشهادته فاستمعت المحكمة لشهادته فشهد: / أنه سمع والده يقول لوالدته باتصال هاتفي وكان مكبر الصوت مفتوحاً أنت طالق ومنذ حوالي أسبوع وأثناء جلوسه مع والده أثناء بحثه عن عمل: / تارك اثنين مطلقين وجاي بتدور على شغل وكان يقصد والدته أي المدعية والدة الشاهد وشقيقته نرمين . وكان المدعى عليه الطاعن قد صادق على أقوال الشاهد جملة وتفصيلا فهل هذه المصادقة اثبتت الطلاق المدعى وقوعه بتاريخ ۲۰۲۰/۹/۲۰ في الواقع نجد أنه طلقها بصيغة أنت طارق وهي من الالفاظ المصحفة وليست من ألفاظ الطلاق الصريح ولا الكتابي. وكان لمعرفة صيغ الطلاق الصريحة والكنائية نعود إلى كتاب شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لمحمد زيد الأبياني بصدد شرحه للمادة ٢٢٥ المتضمنة ما يقع به الطلاق من ألفاظ والذي تمثل الراجح في المذهب الحنفي الذي يجب العمل به سنداً للمادة ٣٠٥ من قانون الأحوال الشخصية فقد جاء فيه ما يأتي والطلاق لا يقع بأي صيغة كانت بل لا يصح وقوعه إلا بصيغة مخصوصة والصيغ المخصوصة بالاطلاق تنقسم إلى نوعين الأولى الصيغ الصريحة والثانية الكنائية فالصريحة هي ما ظهر المراد منها ظهورا بينا حتى صار مكشوفا بحيث يسبق إلى فهم السامع بمجرد السماع حقيقة كان أو مجازا ومنه سمي القصر المرتفع الأبنية بالصرح لظهوره وهي بالنسبة للطلاق تنحصر في أمرين الأول الألفاظ المشتملة على أحرف الطلاق الأصلية وهي الطاء واللام والقاف كطالق أو مطلقة أو طلقتك الثاني الألفاظ التي ليست مشتملة على أحرف الطلاق ولكن لا تستعمل عرفاً إلا فيه ولاشك أن هذا يختلف باختلاف العرف فإذا تعارف قوم اطلاق لفظ الحرام على الطلاق وصاروا لا يستعملونه عند إضافة إلى المراة إلا في الطلاق وقال واحد منهم لزوجته أنت علي حرام وقع الطلاق ولو قال لم أنوه لأن العرف قاض بذلك وأما الكنائية فهي الألفاظ التي لم توضع للطلاق وتحتمله وغيره كما أن قال الرجل لزوجته (اعتودي) أو أنت بائن فإن كلا منهما ليس صريحا في الطلاق بل يحتمله وغيره فإن الأول حقيقة أمر بالحساب فيحتمل أن يراد بها اعتداد الله تعالى أو ما أنعم الله به تعالى عليها أو ما أنعم به عليها الزوج ويحتمل أن يراد بها الاعتداد من النكاح والثاني هو لفظ بائن فلانه يحتمل البينونة عن وصلة النكاح وعن المعاصي وعن الخيرات مثلا ولا يقع الطلاق بالكنايات بمجرد صدور لفظ منها بل يتوقف وقوع الطلاق بها على أحد أمرين الأول النية من الزوج الثاني دلالة الحالة كان يكون حال مذاكرة الطلاق لأن الكنايات غير مختصة بالطلاق بل تحتمله وغيره فلا بد من المرجح. وكان بناء عليه صيغة أنت طارق ليست من صيغ الطلاق الصريح ولا الكناية لما ورد في الشرح السابق لهما وهذه الصيغة لا ينطبق عليهما ما أورده الدكتور وهبه الزحيلي في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته الجزء السابع الطبعة الثالثة عام ١٤٠٩ هـ ١٩٨٩ م ويقع الطلاق الصريح ولو بالألفاظ المصحفة نحو طلاغ وتلاغ وطلاك وتلاك أو بأحرف الهجاء طلق لأن هذه الألفاظ هي من ألفاظ الطلاق باللغة العامية في لهجات سكان بعض المناطق ومثلها في لهجة أهل دمشق أنت طالئ الذين يستعملون الهمزة مكان القاف بلهجتهم بالعامية مما يوجب الأخذ بسبب الطعن الأول. لما كان من بديهات القواعد العامة في الإثبات أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر فالمدعية المطعون ضدها سندا لما ورد في البند السابق من هذه المناقشة لم تثبت ما تذرعت به من طلاق فتجب اليمين حينئذ على الطرف المنكر للدعوى وهو هنا المدعى عليه الطاعن فكان على المحكمة أن توجه له اليمين على أن ما تلفظ به تجاه زوجة المدعية كان بصيغة أنت طارق وليس بصيغة أنت طالق مما يوجب إجابة السبب الثاني للطعن. لما كان الحكم بثبوت الطلاق في الحكم الطعين أسس على إقرار المدعى عليه وليس الشهادة مع ملاحظة أن السن المطلوبة لأهلية الإدلاء بالشهادة هي خمس عشرة سنة وليست ثمان عشرة سنة المادة ٢/٥٩ من قانون البينات مما يوجب رد السبب الثالث للطعن وكان يترتب على الطعن بطريق النقض وفق تنفيذ الحكم ٢٥٣ من قانون أصول محاكمات لهذه الأسباب وعملاً بالمواد ٢٥١ وما بعدها من قانون أصول المحاكمات رقم /۱/ تاريخ ٢٠١٦/١/٣. لذلك تقرر بالإجماع:1. قبول الطعن شكلاً . 2. قبول الطعن وبشكل جزئي موضوعاً ونقض الحكم المطعون فيه. 3. مصادرة نصف التأمين وقيده إيراداً للخزينة العامة وإعادة النصف الثاني للطاعن. 4. تضمين الطرفين مناصفة الرسوم ومصروفات ملف الطعن. 5. إعادة الملف لمرجعه أصولاً.