سلطة المحكمة في تقدير البينات والأخذ ببعضها دون بعض، حتى مع الخطأ، لا تشكل سبباً كافياً لمخاصمة القضاة ما لم تقترن بخطأ مهني جسيم خارج عن حدود السلطة التقديرية. أما إذا أدى الاستنتاج إلى إعلال الخصومة أو مساس بالنظام العام دون سند رسمي صحيح، جاز إبطال القرار.
ترجيح البيانات والاخذ ببعضها دون بعضها الاخر حتى ولو كان خطأ فإنه لايدخل ضمن الحالات الحصرية التي أجاز فيها القانون مخاصمة القضاة بحسبان ان للمحكمة استعمال سلطتها التقديرية في الحالات التي خولها القانون حق التدير . المناقشة: القرار موضوع المخاصمة:صادر عن محكمة النقض – الغرفة الأولى برقم أساس (2220)،وقرار (1098)، تاريخ 14/12/2003 المتضمن من حيث النتيجة رفض الطعن، وتصديق القرار المطعون فيه.النظر في الدعوى:إن الهيئة الحاكمة، بعد اطلاعها على استدعاء المخاصمة، وعلى القرار موضوع المخاصمة، وعلى مطالبة النيابة العامة، المتضمن من حيث النتيجة رد الطلب، بتاريخ 21/1/2004، وعلى أوراق القضية كافة، وبعد المداولة،أصدرت الحكم الآتي:أسباب المخاصمة:1 – في الخطأ المهني الجسيم المتعلق بتجاوز الهيئة المخاصمة لقرارها الناقض، والملزم لها، إذ كان يجب على محكمة الاستئناف أن تتبع النقض، وترد الدعوى لعلة عدم الاختصاص المكاني، بحسب توجيهات القرار الناقض. وبعد ذلك قامت الهيئة المشكو منها بتبرير قبول الدعوى في محاكم حلب، وذلك على النقيض من قرارها السابق الذي عدّ القرار الاستئنافي سابقاً لأوانه، ونقضه لهذا السبب.2 – في الخطأ المهني الجسيم المتعلق بعدم صحة الخصومة، حيث إن إعطاء صفة المدير للسيد. وهو عبارة عن مستخدم، ومن ثم الحكم على الشركة نتيجة عدّه مديراً لها، يعدّ خطأ مهنياً جسيماً. وإن ما جاء في الكتاب الصادر عن السيد. (الوثيقة رقم 22) لا يكسب السيد. أحقية الادعاء على الشركة طالبة المخاصمة، لأن الإقرار لا يتعدى قانوناً غير المقرّ. وإن مجرد استلام البضاعة من السيد. على فرض ذلك، لا يعطي الحق بمداعاة الشركة نيابة عن أصحابها المذكورين في بوليصتي الشحن اللتين هما العقد الناظم للعلاقة بين الشركة طالبة المخاصمة، وبين أصحاب البضاعة.3 – في الخطأ المهني الجسيم المتعلق عدّ بوليصتي الشحن "ضد الدفع". حيث إن الهيئة المشكو منها لم ترد على النواحي القانونية، والأساسية، والمتعلقة باتفاقية دولية تتقدم نصوصها على القانون الوطني. وقد اكتفت بأن استنتجت من كتاب. وتوصية بتحصيل مبلغ 32500 دولار أمريكي. إن وثائق النقل "ضد الدفع"، رغم صراحة تلك الوثائق، ورغم خلوها من العبارة المطلوب بإحدى اللغتين الفرنسية، أو الإنكليزية، وبالتالي صدقت القرار الاستئنافي الذي ألزم الشركة بدفع مبالغ تزيد عما حددته الاتفاقية الدولية.4 – في الخطأ المهني الجسيم المتعلق بالحكم على الشركة طالبة المخاصمة بالتكافل والتضامن مع غيرها. إن الحكم على الشركة المذكورة بالتكافل والتضامن مع. في غير محله القانوني من قبل محكمة الاستئناف، لأنه لا وجود للتكافل والتضامن بين المحكوم عليهما من جهة، ولا وجود لنص قانوني يجبر مثل هذا الاتجاه. وإن الهيئة المشكو منها لم تناقش الطعن المثار حول هذه الناحية سلباً أو إيجاباً، ولم تأتِ على ذكره، رغم أهميته بالنسبة للشركة الشاكية.فعن ذلك:لما كانت وقائع هذه الدعوى تتحصل في أن فرع دمشق للشركة المخاصمة قد تعاقد مع. وإخوته بموجب بوليصة الشحن الجوي رقم (41367001/257)، تاريخ 11/10/1999 (الوثيقة رقم 2)، ومع. مالك بوليصة الشحن الجوي رقم (1150/ 4020/ 664)، تاريخ 15/10/1999 (الوثيقة رقم 3)، لنقل بضائع عائدة إليهما بطريق الجو إلى المرسل إليه المحدد اسمه وعنوانه في بوليصتي الشحن المنوّه عنهما، ونقلت البضاعة من مطار دمشق الدولي، وسلّمت للمرسل إليه، وفقاً لشروط العقد المحددة في بوليصتي الشحن.بتاريخ 23/2/2000 تقدم المدعى عليه (بهذه الدعوى). بدعواه أمام محكمة البداية المدنية في حلب، ضد الشركة المخاصمة، طالباً من حيث النتيجة إلزامها بدفع مبلغ (32500) دولار أمريكي، وإلغاء الحجز الاحتياطي. وبنتيجة المحاكمة البدائية أصدرت حكمها بإلزام الجهة طالبة المخاصمة بالتكافل والتضامن بدفع مبلغ (1.495.000) ل.س. استأنفت الشركة. القرار البدائي، وبنتيجة المحاكمة الاستئنافية صدر قرار محكمة الاستئناف بقبول الاستئناف شكلاً، ورده موضوعاً.ولدى النظر بهذه الدعوى من قبل محكمة النقض في المرة الأولى أصدرت قرارها الناقض المتضمن نقض القرار الاستئنافي بتعليلٍ مفاده أنه على ضوء أحكام المادتين (55) مدني، و(83) أصول محاكمات، كان على المحكمة أن تتحقق من موطن الشركة المدعى عليها، وما إذا كان فرعها الأساسي في دمشق، أو حلب، وما إذا كان يوجد لها فرع في حلب، وهل تقام الدعوى على الشركة في محكمة حلب، أم لا، ثم تعمل أحكام القانون على ضوء ذلك، مما يجعل القرار سابقاً لأوانه، وهذا يعرّضه للنقض، وإن نقض القرار – لما ذكر – يتيح للطرفين إبداء دفوعهما مجدداً أمام محكمة الموضوع.وعندما جددت الدعوى أمام محكمة الاستئناف بعد النقض أصدرت قرارها المتضمن رد الاستئناف موضوعاً.طعنت الشركـة المخاصمـة بهذا القـرار كما طعن به. وبعد توحيد الطعنين صدر القرار المخاصم الذي قضى برفض الطعنين.وحيث إنه بالرجوع إلى القرار الناقض الأول رقم (883)، أساس (1960)، تاريخ 24/11/2002 يتضح أنه قد تم نقض القرار الاستئنافي بتعليل مفاده:"أنه كان متوجباً على المحكمة أن تتحقق من موطن الشركة المدعى عليها، وما إذا كان فرعها الأساسي في دمشق، أو حلب، وما إذا كان يوجد لها فرع في حلب، وهل تقام الدعوى عليها في حلب أم لا، ثم تعمل أحكام القانون على ضوء ذلك.في حين أن الحكم موضوع المخاصمة ارتكز في رفضه الطعن على تسبيب مفاده:حيث إن القرار الناقض طلب من المحكمة أن تتحقق عن موطني الشركة المدعى عليها. وما إذا كان يوجد لها فرع لإقامة الدعوى بمدينة حلب.وحيث إنه بالرجوع إلى ضبط الحجز التنفيذي الجاري على مكتب الشركة الكائن بمدينة حلب، والذي هو ضبط رسمي لا يطعن فيه إلا بالتزوير تبين في مقدمة الضبط: "وبوصولنا إلى المكتب المذكور شوهد فيه، وعلى أبوابه، لافتات عدة باسم آرامكس، وبدخولنا إلى المكتب وجد فيه شاب اسمه. قام بالاتصال بمدير المكتب، وهنا قمت بإلقاء الحجز، وقد طعن المدعو. وقال إن هذه الشركة يديرها.وأنا أمثّل فرع حلب لهذه الشركة. وقد أعطى كتاباً للمطعون ضده، وفيه يشير إلى أنه استلام (185) رزمة من الملابس من المطعون ضده، وذلك لشحنها إلى وكيل الشركة في "فيينا"، وعلى شريك الشحن أن يحصّل مبلغ (32500) دولار أمريكي، وهي قيمة البضاعة المشحونة".وإن ما جاء بهذا الكتاب يفيد مسؤولية الجهة المدعى عليها عن قبض المبلغ لصالح المدعي، ويفيد ضمناً أنه ضمن الدفع.وحيث إن ما أثاره كلا الطاعنين بأن البوالص لا تخص المطعون ضده، وإنما هي لأشخاص آخرين، وإن البضاعة شحنت من دمشق، فإن ذلك لا يغيّر من التزام الشركة تجاه المطعون ضده من أنه تم استلام البضاعة من قبل مدير فرع الشركة بحلب. وأن البضاعة ضد الشحن. كما أن ما جاء في "البوالص"لا يعفي الجهة المدعى عليها من التزامها تجاه المدعي، باعتبار أن الكتاب قد جاء بعد "بوالص الشحن".ومن حيث إن محكمة النقض تنظر في القضية على أساس ما يبرز في الملف من وثائق، وما يثيره الخصوم بشأنها فيما لا يخالف النظام العام.وحيث إن الهيئة المشكو منها اعتبرت. الذي أعطى الكتاب إلى المدعى عليه. مديراً للشركة في حلب، وأعطته هذه الصفة بعد أن استخلصت ذلك من وقائع الدعوى، والأوراق المبرزة فيها، حسبما ورد في حيثيات قرارها.وحيث إنه وإن كان ترجيح البينات، والأخذ ببعضها دون بعضها الآخر، حتى ولو كان خاطئاً، لا يدخل ضمن الحالات الحصرية التي أجاز فيها القانون مخاصمة القضاة، بحسبان أن للمحكمة استعمال سلطتها التقديرية في الحالات التي خوّلها القانون حق التقدير.إن هذا الاستنتاج يجب أن يستند إلى أساس سليم لا يغيّر من صحة الخصومة في الدعوى التي هي من النظام العام. حيث إن إثبات صفة. كونه مديراً يحتاج إلى كتب رسمية تصدر عن الشركة الطاعنة، وعن الدوائر الرسمية المختصة بهذه المواضيع، مما يجعل الخصومة معتلّة بهذه الدعوى.وحيث إن الخطأ المهني الجسيم المتعلق بعدم صحة الخصومة يوجب بطلان القرار المشكو منه، مما يوجب الالتفات عن مناقشة بقية أسباب المخاصمة المثارة بهذه الدعوى.وحيث إن إبطال الحكم يغني عن التعويض. ومن حيث إنه سبق لهذه المحكمة أن قررت قبول الدعوى شكلاً.لهذه الأسباب حكمت بالإجماع:1 – قبول الدعوى موضوعاً، وإبطال القرار رقم (1098)، أساس (2220)، تاريخ 14/12/2003 الصادر عن الهيئة المخاصمة (الغرفة الأولى لدى محكمة النقض).2 – اعتبار هذا الإبطال بمثابة التعويض. 3 – حفظ الملف.