إذا انصبت الخصومة على مطالبة مالية تتعلق بجزءٍ متبقٍ من عقارٍ استُملك ولم يُستعمل في الطريق، وكان النزاع يدور حول ترك هذا الجزء أو التنازل عن قيمته، فإنها لا تُخَصَّص لرقابة الإلغاء الإداري، بل تدخل في اختصاص القضاء العادي بوصفها منازعة مدنية ناشئة عن تصرفات الإدارة مع الأفراد.
ان الدعوى القائمة على طلب قيمة القسم الباقي من العقار المستهلك الذي لم تلحقه البلدية بالطريق العام لا تستهدف الغاء القرار الإداري المتخذ بشأن الاستملاك وهي تدخل بالتالي ضمن اختصاص القضاء العادي . المناقشة: تقدم المدعون احمد وياسين ونفيسة اولاد علي الى المحكمة الابتدائية المدنية في حلب باستدعاء مؤرخ في ١٩٦٠/٣/٢ ادعوا فيه ان الجهة المدعى عليها بلدية حلب استملكت تمام عقارهم رقم ٢٧٤٦ من المنطقة العقارية الثامنة بحلب بموجب القرار رقم ٢٥٥ المؤرخ في ١٩٥٨/٧/٥ وقامت بشق طريق شطرت العقار المذكور شطرين وقلعت أشجاره وحملتها الى مستودعاتها وانها فعلت ذلك على اعتبار انها استملكت العقار المذكور وان المدعين طالبوا البلدية بالقيمة فامتنعت بحجة انها لا تدفع سوى قيمة القسم المستملك للطريق فقط رغم أن رئيس مهندسي الدائرة الفنية شرح بتاريخ ٢/٦/ ١٩٦٠ بان ما تبقى من ١٩٦٠/٢/٢٦ الارض لا يمكن الانتفاع به من قبل المالكين ، لذلك قدموا يطلبون الحكم على الجهة المدعى عليها بدفع تمام القيمة العائدة للعقار المستملك كله حسب تقدير اللجان المختصة وتضمينها الرسوم والمصاريف والاتعاب. وبنتيجة المحاكمة قضت المحكمة بتاريخ ٢٥ في ٣ في ١٩٦١ برد دعوى المدعين ولما لم يقتنع المدعون بهذا الحكم استأنفوه طالبين فسخه وتبين لمحكمة الاستئناف ان العقار موضوع الدعوى استملك بالقرار رقم ٢٥٥ المتضمن النفع العام بناء على قرار المجلس البلدي وان البلدية عدلت بعد ذلك عن استملاك كامل العقار واكتفت باستملاك الجزء اللازم للطريق بناء على قرار رئيس البلدية المؤرخ في ١٩٥٦/٢/٢٨ وعلى طلب أحد أصحاب العقار ياسين وان مطالبة المدعين بكامل قيمة العقار يعني الزام البلدية بالعدول عن قرارها الاخير والرجوع الى قرارها الاول وكلاهما اداريان ، وبما ان المطالبة بإلغاء القرارات الادارية النهائية من اختصاص مجلس الدولة ، لذلك اصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن تصديق الحكم المستأنف النظر في الطعن: من حيث ان مبنى الطعن يقوم على تخطئة الحكم فيما انتهى اليه من اعلان عدم اختصاص القضاء العادي للفصل في الدعوى ومن حيث انه من الرجوع الى استدعاء الدعوى وما طرأ عليه تعديل في المذكرة المؤرخة في ٢٣ / ١ / ١٩٦١ المقدمة الى المحكمة الابتدائية يتبين ان الطاعنين يطالبان البلدية بقيمة القسم الباقي من العقار المستملك الذي لم تلحقه بالطريق وبالأضرار الناجمة عن تصرفها ومن حيث ان البلدية تدفع هذه الدعوى بان امتناعها عن اداء قيمة هذا القسم من العقار كان استجابة لطلب المدعين ورغبتها بالاحتفاظ بعين هذا القسم الذي لم يلحق بالطريق . ومن حيث ان حقيقة هذا النزاع لا تستهدف الغاء القرارات الادارية المتخذة بشأن الاستملاك ولا القرارات الصادرة بتحديد القيمة عن اللجان ذات الاختصاص القضائي وانما ينصب على الاتفاق الرضائي بترك هذا القسم من العقار لقاء تخلي مالكيه عن قيمته ومن حيث ان التصرفات التي تجريها الادارة مع الأفراد بوصفها شخصا اعتباريا تدخل في زمرة العقود المدنية ومثل هذه التصرفات لا يختص القضاء الاداري بنظرها لا تعويضا ولا الغاء بل يعود النظر في المنازعات التي تنشب عنها الى القضاء العادي صاحب الولاية العامة . ومن حيث ان الحكم المطعون فيه الذي أسبغ على هذا النزاع الصفة الادارية وقرر اخراجه عن دائرة اختصاص القضاء العادي انما أخطأ في التكييف القانوني للواقعة بصورة تعرضه للنقض عملا بالمادتين ٢٥٨ و ٢٦٠ من قانون اصول المحاكمات . لذلك حكمت المحكمة بالإجماع بنقض الحكم المطعون فيه من جراء مخالفة قواعد الاختصاص وتعيين المحكمة التي اصدرته مرجعا للفصل في النزاع .