إذا ثبت طبياً بصورة جازمة أن الزوج عقيم لا يُرجى شفاؤه ويستحيل منه الإنجاب، فلا محلّ للملاعنة لنفي النسب لانتفاء ركنها المتعلق بزوجٍ يمكن أن يولد له. كما أن اللعان لا ينعقد إلا بالألفاظ الشرعية المقررة، واستبدال لفظ الركن الأساسي في الصيغة بما لا يساويه يبطل الملاعنة.
إن اللعان بقصد نفي النسب لا يمكن تصوره إلا من رجل يولد له وقادر على الإنسال والانجاب من زوجته الشرعية. إذا ثبت بالأدلة القاطعة والخبرة الطبية الحاسمة الجازمة أن الرجل عقيم ولا سبيل إلى شفائه ويستحيل منه الإنجاب صار اللعان في هذه الحالة فاقداً أحد أركانه وهو الزوج الملاعن لا معنى للعان ولا جدوى منه ما دام الطب قد أثبت عقم الزوج واستحالة أن يولد له ولد. إن عدم قدرة الرجل على الإنجاب تتسق في المغزى والمضمون مع حالة عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة ما دام هذا التلاقي لن يؤدي إلى الإنجاب قطعاً. يستوي التلاقي مع عدم التلاقي عند الزوج العقيم المقطوع طبيا بعقمه. على المحكمة أن تجري الخبرة الطبية الاختصاصية على الزوج المدعى بعقمه حتى إذا قطعت هذه الخبرة باستحالة إنجاب الزوج فلا مسوغ للملاعنة أما إذا ثبت طبيا قدرته على الإنجاب فلم يعد ممكناً نفي النسب إلا باللعان. إن لفظ أشهد في صيغة اللعان هي من أركانه، فإن ذكرت بلفظ أقسم افتقرت إلى ركن مما يجعلها باطلة. المناقشة: أسباب الطعن 1. لم تحدد المادة ۱۲۹ أحوال شخصية المدة التي يجب فيها تسجيل دعوى نفي النسب إلا أنه بالرجوع إلى شروح قانون الأحوال الشخصية تجد أن الدكتور عبد الرحمن صابوني قال في شرحه للقانون أن دعوى نفي نسب الولد عند ولادته أو بعد عشرة أيام ومن خلال مراجعة تاريخ ولادة بتاريخ ٢٠٢٠/٢/٢٢ وتاريخ الطفلة تسجيل الدعوى في ٢٠٢٠/٣/٢ يتضح أن المدعي سجل دعواه بعد حوالي عشرين يوما أو ما يقارب الشهر رغم وصول العلم إليه بأن زوجته الموجودة في السجن حامل فكان الأولى به وهو يعلم أنه لا ينجب أن لا ينتظر حتى تحدث الولادة ثم يدعي نفي النسب. 2. لم تمنح المحكمة مصدرة القرار للطاعنة وقتاً كافياً للدفاع عن نفسها وإثبات نسب الطفلة من والدها مما جعل القرار سابقاً لأوانه وقد استقر الاجتهاد القضائي على ان حق المتقاضيين في إبداء أقوالهم ودفوعهم بكل حرية وجرأة هو من أعظم الحقوق التي أقرتها الشريعة والقوانين الوضعي 3. إن تقدير المحكمة الموضوع للأدلة واستخلاص حكم القانون ليس مطلقا وإنما مشروط بأن تكون الأدلة كافية لحمل النتيجة التي قضت بها المحكمة وأن الترجيح بين الأدلة يجب أن يكون قائماً على أسس كافية لحمل النتيجة المقضى بها وأن القضاء مؤسسة عدل وانصاف وطلب نقض القرار. في الشكل : استوفى الطعن شروطه الشكلية فهو مقبول شكلاً. في الموضوع والقانون : من حيث أن المطعون ضده أقام دعواه بطلب الملاعنة لنفي نسب الطاعنة تأسيساً على أنه لا يستطيع الإنجاب رغم زواجه من امرأة أخرى وأن ذلك قد أكده الأطباء والفحوص المخبرية وأبرز صورة عن هذه الفحوص ومن حيث أن المادة ۱۲۹ أحوال شخصية نصت على أنه: ولد كل زوجة في النكاح الصحيح ينسب إلى زوجها بالشرطين التاليين – أن يمضي على عقد الزواج أقل من مدة الحمل – أن لا يثبت عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة كما لو كان أحد الزوجين سجينا أو غائبا في بلده بعيد أكثر من مدة الحمل. – إذا انتفى أحد هذين الشرطين لا يثبت نسب الولد من الزوج إلا إذا أقر به أو ادعاه – إذا توفر هذا الشرطان لا ينفي نسب المولود عن الزوج إلا باللعان ولما كانت علة الدعوى التي تعلل بها المدعى المطعون ضدها قامت على دعواه بأنه لا يستطيع الانجاب وكان اللعان بقصد نفي النسب لا يمكن تصوره إلا من رجل يولد له وقادر على الانسال والانجاب من زوجته الشرعية فإذا تأكد بالأدلة القاطعة والخبرة الطبية الحاسمة الحازمة فإن الرجل عقيم لا سبيل إلى شفائه ويستحيل منه الانجاب صار اللعان في هذه الحالة فاقداً لأحد أركانه وهو الزوج الملاعن العاجز تماماً عن الإنسال خلا معنى اللعان ولا جدوى منه حتى لو تم هذا اللعان طالما أثبت الطب عقمه واستحالة أن يولد له ولد وقد نقل الفقيه ابن عابدين قولا في الذخيرة مفاده أنه لا يشرع اللعان ينفي الولد في المجبوب والخصي ومن لا يولد له ولد لأنه يلحق به الولد وعلق ابن عابدين على أن في القول نظر – يراجع التيسير في الفقه الحنفي من حاشية ابن عابدين – لمؤلفه الدكتور أسعد الصاغرجي مطبعة دار الحكم الطيب دمشق وبيروت طبعة عام ٢٠٠٦ وما رأه ابن عابدين محل نظر في القول المذكور يمكن عزوه إلى معارف عصره وعلومه أما بعد أن تقدمت العلوم الطبية في هذا العصر تقدماً مذهلا بحيث يمكن للطب بأدواته المتطورة أن يقطع بتشخيص الحالة المرضية وعليه فإن عدم قدرة الرجل على الإنجاب تتسق في المغزى والمضمون مع حالة عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة طالما أن هذا التلاقي على فراش الزوجية لن يؤدي إلى الإنجاب قطعا بعد قول الطب في ذلك قولاً حازماً فالعقيم صار في هذه الحالة كالذي لم يلتق مع زوجته بصورة محسوسة والعلة في كلتا الحالتين تؤدي إلى نفي نسب الولد والقياس وأراد بينهما ذلك أنه استوى التلاقي مع عدم التلاقي عند الزوج العقيم المقطوع طبياً بعقمه طالما أن زوجته لن تنجب منه على وجه الاستحالة وبالتالي صار من المتاح نفي النسب دون اقتضاء الملاعنة بعد أن تخلف أحد الشرطين المذكورين في المادة ۱۲۹ أحوال شخصية في حالة ثبوت عقم الزوج كما سلف بيانه آنفاً ويستعرض الدكتور المرحوم عبد الرحمن صابوني طرائق نفي النسب وصوره فيذكر من هذه الصور نفي النسب عن طريق انكار ولادة الولد ونقي النسب لعدم امكان الانجاب ونفي النسب لعدم التلاقي بين الزوجين ونفي النسب لعدم مرور الفترة المحددة للحمل ونفي النسب عن طريق اللعان ويقول بصدد الحالة الثانية (إذا صحت واقعة الولادة من الزوجة في عقد زواج صحيح فلا يثبت نسب الولد إذا كان الزوج ممن لا يتصور منهم حدوث الحمل سواء أكان صغيراً مراهقاً أو مصاباً بمرض جنسي يحول دون الانسال ولو أقدر استحالة أنساله فإن نسب الولد لا يثبت) وفي معرض تعليقه على أحكام النسب في قانون الأحوال الشخصية السوري يضيف الدكتور صابوني. ونرى هنا أن القانون السوري لم يذكر شرط أن يولد للزوج مثله فلو كان الزوج مريضا بمرض يمنعه من الانسال أو الاتصال بزوجته فهل يثبت النسب منه إذا جاءته زوجته بولد، والذي أراه أن القانون سكت عن مثل هذا الشرط ولكن يمكن تطبيقاً للقواعد العامة نفي نسب هذا الولد إذا اثبت يقينا لدى الأطباء استحالة انجاب مثل هذا الزوج للأولاد المرض المصاب به وعليه فإنه كان يتعين على المحكمة مصدرة القرار أن تجري الخبرة الطبية الأخصائية على المدعى المطعون ضده فإذا قطعت هذه الخبرة بما لا يرقى إليه الشك باستحالة انجاب المدعى وانساله فإن ذلك يقضي إلى كون الطفلة ليست منه ولم يكن ثمة مسوغ للملاعنة أما إذا اثبتت طبيا قدرته على الانجاب فلم يعد ممكناً نفي النسب إلا باللعان مما يجعل القرار الطعين سابقاً لأوانه واستطراداً فإن الملاعنة التي أجرتها المحكمة مصدرة القرار بين الزوجين لم تستوف أركانها الشرعية ذلك أن الحنفية يعتبرون أن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن والغضب ويرى جمهور الفقهاء أن ألفاظ اللعان في الحقيقة أيمان وإن سميت شهادات لأن اللعان يمين يراجع الوجيز في الفقه الاسلامي – الدكتور المرحوم وهبه الزحيلي – دار الفكر دمشق ۲۰۰۵ ومن شروط اللعان أن يأتي كل من الزوجين بصورة اللعان كما حددها القرآن الكريم فإن أبدل بلفظة أشهد لفظ أحلف أو أقسم لم يعتد به عند الحنابلة على الصحيح والشافعية وكذا المالكية والحنفية نفس المرجع الدكتور الزحيلي ويذكر ابن عابدين في حاشيته. وصلته مانطق به النص الشرعي من كتاب وسنه وهو أن القاضي يقيمهما "الزوجين " متقابلين ويقول له اللعن فيقول الزوج أربع مرات أشهد بالله أني لم الصادقين فيما رميتها به الزنى وفي الخامسة: لعنه الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا يشير إليها في كل مرة ثم تقول المرأة أربع مرات أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وفي الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا" نفس المرجع والتيسير في الفقه الحنفي الدكتور الصاغرجي ويضيف ابن عابدين. ولا لعان لو كانا أخرسين أو أحدهما وكذا لو طراً الخرس بعد اللعان قبل التفريق فلا تفريق ولاحد لدونه بالشبهة مع فقد الركن وهو لفظ أشهد وعليه فإن لفظه أشهد في صيغة اللعان هي من أركانه ويتضح من ضبط جلسة /۲۰۲٠/٦/٢ أن الزوج حينما لاعن زوجته قال: أقسم بالله ولم يقل لفظ أشهد وقد سلف القول أن إيمان اللعان عند الأحناف شهادات وليس أيمان وسلف القول أنه لا أن يبدل لفظة أشهد بلفظ أحلف يصبح أو أقسم فافتقرت الملاعنة إلى ركنها مما يجعلها باطلة كأن لم تكن ويقتضي ذلك نقض القرار لهذه الجهة أيضاً. وكانت أحكام الزواج والنسب واللعان مما يتعلق به حق الله عز وجل والحل والحرمة وهي بهذه المثابة من متعلقات النظام العام ويجوز لمحكمة النقض أن تأخذ بالأسباب المتصلة بالنظام العام من – تلقاء نفسها سنداً لأحكام المادة ٢٥٤ و أصول محاكمات، أما لجهة ما ورد في السبب الأول من الطعن فإن الملاعنة تكون بعد الولادة فلا لعان ينفي الحمل لعدم تيقنه عند القذف فيحتمل أن تكون نفخاً أو ماء " (نفس المرجع التيسير في الفقه الحنفي – ) ثم أن المدعي تقدم بدعواه ضمن أيام التهنئة المعتادة حسب العرف لدى أهل المدن والتي قد تمتد شهراً أو أكثر وإن المادة ٣٢٦ من مجموعة قدري باشا قد أحالت في معرفة ذلك إلى عرف أهل البلد مما يجعل الدعوى مقدمة في ميعادها ومع ذلك فإن المطعون ضده نظم سند توكيل بتاريخ ٢٠٢٠/٢/١٧ يوكل فيه محام لنفي النسب أي قبل الولادة الحاصلة في ۲۰۲۰/۲/۲۲ وتقدم بالدعوى بعد عشرة أيام من الولادة وبالتالي فالدعوى كما أسلفنا مقدمة في ميعادها ويقتضي رد سبب الطعن لهذه الجهة ونقض القرار للأسباب المتعلقة بالنظام العام الأنف ذكرها. لذا وعملاً بأحكام المادة ٢٥١ وما بعدها أصول محاكمات لذلك تقرر بالإجماع1. قبول الطعن شكلاً . 2. قبول الطعن موضوعا ونقض القرار الطعين. 3. إعادة تأمين إلى مسلفه وتضمين الخاسر بالنتيجة الرسوم والمصاريف. 4. إعادة الملف إلى مرجعه أصولاً.