الشهادة تصلح دليلاً لإثبات الوصية، وللقاضي سلطة تقديرها، لكن قراره في ردّها أو قبولها يجب أن يُبنى على أسباب سائغة ومقبولة قانوناً وعقلاً؛ فإذا كان التعليل غير منتج أو غير مستند إلى قرائن صحيحة تعيّن نقض الحكم.
يجوز إثبات الوصية بالشهادة القرار الذي يصدر في تقدير الشهادة يجب أن يكون معللاً تعليلاً مستساغاً المناقشة: لما كانت المادة 62 بينات جعلت للقاضي تقدير الشهادات والأخذ بما يقنع به منها واسقاط ما عداه. وكانت الفقرة 132 من المذكرة الإيضاحية لقانون البينات التي تعبر عن قصد واضعه نصت على أن القرار الذي يصدر في تقدير قيمة الشهادة يجب أن يكون معللاً تعليلاً مستساغاً موافقاً للواقع وأن فقد هذا التعليل أو نقصه يوجب نقض الحكم، وكان ظاهراً من الضبط أن شهادة كل من رياض وبدر موافقاً للادعاء وأنهما تشكلان النصاب الشرعي الذي يصلح مستنداً للحكم في الدعوى. وكان القاضي قد علل لردهما بأنه: أولاً – عدم وجود مستند خطي أو مبدأ ثبوت بالكتابة رغم أهمية الموضوع وكون المورث عارفاً بالكتابة معروفاً في بلده. ثانياً – بأنهما ذكرا التاريخ بصورة دقيقة رغم مضي مدة غير يسيرة على الحادثة المشهود بها. ثالثاً – عدم اعتراض رياض على الدفن في الحديقة رغم علمه بأنه قد أوصى بها. رابعاً – ما ذكره بدر من أنه لا علاقة له برياض مع أن أحد شهود الجهة المدعية ذكر أنه وكيله وأحد رجاله المقربين. خامساً – أن شهود النفي شهدوا أنه لم يذكر لأحد منهم الوصية رغم صلتهم به. ولما كانت هذه الأسباب كلها لا تصلح علة قانونية ولا عقلية لرد شهادتي الشاهدين: أولاً – لأن القانون جوز إثبات الوصية بالشهادة كما جوز إثباتها بالكتابة ولم يشترط لإثباتها الكتابة فإذا اختار الموصي أحد الطريقتين لم يكن لأحد أن يقول له، لماذا لم تسلك الطريق الثاني، أو يتخذ من تركه الطريق الثاني سبباً لرد الدعوى. ثانياً – إن الأصل في الشهادة أن تسود الوقائع التي شاهدها الشاهد وتحدد زمانها ومكانها، وهذا التحديد إنما يصلح سبباً لدعم الشهادة، إلا إذا تبين للقاضي بالقرائن القانونية أن الشاهد لا يحفظ في العادة مثل هذه التواريخ، ولا يقدر على تحديدها، وأنه إنما أدلى بها في الشهادة عن تحفيظ وتلقين من غير استناد إلى المشاهدة والحس، وهذا ما لم يتحقق في شاهدي الدعوى. ثالثاً – أما اعتراض رياض على الدفه في الحديقة أو عدم اعتراضه فلا يؤثر في صحة الشهادة وعدمها ولا يترتب عليه نتيجة تؤثر فيها. رابعاً – أما ما ذكر الشاهد من أنه ليس له علاقة خاصة برياض وورود كلمة على لسان أحد الشهود من أنه وكيله وأحد رجاله. فلا يترتب عليه رد شهادته لأن ما قاله هذا الشاهد لا يثبت هذه الوكالة المشار إليها، ولأن على فرض ثبوتها فإن ذلك لا يؤثر في الشهادة لأن كون أحد الشاهدين وكيل الآخر لا يمنع قبول شهادته. خامساً – أما أن شهود النفي شهدوا أنه لم يذكر لهم صبري أنه أوصى رغم صلتهم به، فلا يؤثر في شهادة من شهد بأنه سمع الوصية من صبري. ولو صح ما ذهب إليه القاضي لردت كل شهادة في كل دعوى، لأنه لا تخلو شهادة إثبات من أن يأتي في البينة المعاكسة لها شهادات على النفي والعبرة بالشاهد الذي رأى الحادثة أو سمعها لا بالذي لم يراها ولم يسمعها. لذلك كان حكم القاضي مستحق النقض.