الصلح عقدٌ ملزم يترتب عليه انقضاء النزاع والحقوق والادعاءات التي شملها، ويحول دون إعادة النظر فيها، ولا يُبطل أو يُفسخ إلا لعيبٍ في الإرادة أو لسبب بطلانٍ كان مجهولاً عند التعاقد؛ أما إذا كان المتصالحان على بينة من سبب البطلان عند إبرام الصلح فإن الصلح يكون صحيحاً ومنتجاً لآثاره.
إن الصلح عقد يحسم المنازعات التي تناولها وتنقضي معه الحقوق والادعاءات التي شملها (مادة 521 مدني) ويمنع إعادة النظر في المسائل التي حسمها، ما لم يبطل أو يفسخ لعيب من عيوب الإرادة كالإكراه أو التدليس أو الغلط. لا يمكن الطعن ببطلان الصلح إلا إذا كان سبب البطلان مجهولا وقت عقده. أما إذا كان سببه معلوما وتصالح الطرفان وهما على بينة من الأمر فإن ذلك يفيد اتجاه نيتهما إلى المصالحة على سبب البطلان بالذات المناقشة: تقدم المدعيان سليم مصطفي. ورفيق سليم ورفيق سليم ٠٠٠ الى المحكمة الابتدائية المدنية في دمشق باستدعاء مؤرخ في ١٩٦١/١/١٧ ادعيا فيه أن محلات بيروت شحنت كمية من الفلفل الاسود الى العراق بطريق الترانزيت عبر حمص ونظمت لعملية الشحن هذه الوثائق الرسمية اللازمة وأرفقت ببيان ترانزيت ) ب ) /٦ / ولدى وصول البضاعة الى أمانة الجمرك في الجوسية أوقفت السيارة بحجة أن المقصود تهريبها إلى سورية وان رشوة دفعت من أجل ذلك وان رئيس الضابطة الجمركية هدد سليم بالتوقيف ان لم تجر المصالحة فورا مما اضطر الجهة المدعية الى إجراء المصالحة على دفع مبلغ /٢٦/ الف ليرة سورية وأن رفيق. وقع على المصالحة المشار اليها وبما أن المخالفة المعزوة الى سليم ليس لها أساس وبما أن ادارة الجمارك قبضت مبلغ /۱۳۸۸۹ / ليرة على سبيل الغرامة لذلك قدما يطلبان الحكم على وزارة المالية وادارة الجمارك بإعادة المبلغ المستوفي منهما بدون مسوغ الفائدة وحفظ حقوق المدعيين بالمطالبة بكل عطل وضرر قانوني مع وتضمين الجهة المدعى عليها الرسوم والمصاريف والاتعاب. وبنتيجة المحاكمة قضت المحكمة بتاريخ ٩٦٢/١/٢٤ (١) برد الدفع بعد وجود مصلحة الى سليم ۰۰۰، ( ۲ ) الزام ادارة الجمارك اضافة لوظيفتها بإعادة مبلغ / ۱۳۸۸۹ / ليرة سورية الى المدعي رفيق. المستوفي بموجب مذكرة التصفية رقم / ٧٢١٣٨٥ تاريخ ١٢/١٨/ ١٩٦٠ ، (۳) رد الدعوى بالفائدة ، (٤) تضمين الطرفين المصاريف بنسبة ۲۰ على الجهة المدعى عليها والباقي على الجهة المدعية وتضمين الجهة المدعى عليها أتعاب المحاماة ولما لم تقتنع الجهة المدعى عليها بهذا الحكم استأنفته طالبة فسخه وتبين لمحكمة الاستئناف أن سيارة الفلفل كانت موجودة في حرم جمرك الجوسية وأن المانفستين العائدين لها وضعا في مكتب الجمرك هناك وأن جرم التهريب قد انتفي بحكم المحكمة الجزائية بحمص وكذلك جرم الرشوة وأن استحالة جرم التهريب ووجود المانفسيت يجعل المخالفة مبنية على أسس وهمية وأن الظروف والملابسات التي أجريت فيها المصالحة كاستدراج أصحاب العلاقة من بلد الى آخر بأسلوب غير صحيح ثم ثبوت انتفاء محاولة التهريب فيما بعد يجعل الجهة المستأنف عليها محقة في طلب استرداد المبلغ الذي دفعته بدون وجه مشروع لعـــدم جواز الاثراء على حساب الغير ، وعليه أصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن تصديق الحكم المستأنف من حيث أن الاسباب التي يعتمدها الطاعن تلخص بما يلي:1. ان قانون الجمارك وهو قانون خاص لا تؤثر عليه القواعد الاصولية المنصوص عليها في القانون العام قد نص على معاقبة المحاولة في التهريب وهذه المحاولة ثابتة بالحكم الجزائي الصادر في القضية حيث جاء فيه ما نصه ، وحيث انه كان لدى المدعى عليهم نية في التهريب فان فعلهم والحالة هذه ظل في حيز الشروع والقانون الجزائي لا يعاقب على الشروع فقرار عدم المسؤولية المستند اليه لا يحول مطلقا دون ملاحقة المطعون ضدهما بالمخالفة المسندة اليهما 2. ان الضبط المنظم بصدد هذه القضية هو حجة ويعمل به حتى ثبوت تزويره وقد تأييد مضمون هذا الضبط بإقرار السيد رفيق من أنه أقدم بتفويض من والده على ملاحقة قضية السيارة الناقلة للفلفل المستورد من لبنان كما تأيد بقبوله بإجراء المصالحة ودفعه بدلها 3. ان الصلح يحسم النزاع فلا يجوز بعد المصالحة واقترانها بتصديق وزارة الخزانة الطعن فيها بسبب غلط في القانون كما أشار الى ذلك نص المادة / ٥٢٤ / من القانون المدني. 4. ان الحكم لم يتعرض للسيد سليم. المطعون ضده لا سلبا ولا ايجابا كما وأنه لم يتعرض لجميع من ذكرت اسماؤهم في الحكم الجزائي مع أن المادة / ٣٣٩ من قانون الجمارك توجب تحصيل الرسوم والغرامات من جميع مرتكبي المخالفة 5. ان الدعوى على فرض أنها دعوى استرداد غير المستحق ودعوى اثراء بغير سبب فان ما دفعته الجهة المطعون ضدها لا يقبل الرد كما هو نص المادتين ۱۸۲ و ١٨٥ من القانون المدني. ردود الخصم 1. ان نية التهريب لم تظهر الى حيز الوجود بأي فعل مادي فلا يمكن اذن اعتبار ذلك محاولة في التهريب والضبط الجمركي نفسه يقرر بأن البضاعة كانت موجودة في الحرم الجمركي وان الشخص الذي كان يرافق البضاعة كان يقوم بالمعاملات الجمركية اللازمة وان البضاعة كانت مرفقة ببيانات جمركية أصولية. 2. أن المخالفة غير ثابتة وهي غير موجودة أصلا فلا يجوز اذن اثباتها بما سمي بإقرار أحد المخالفين وعلى كل فان قاضي الموضوع له حق التقدير المطلق 3. ان المصالحة انما تثيرها ادارة الجمارك لأول مرة أمام محكمة النقض وعلى كل فان الدعوى ليست بإبطال المصالحة وانما باسترداد غير المستحق والمدفوع بالاستناد الى مخالفة غير موجودة. 4. ان السبب الخامس من أسباب الطعن يدلى به لأول مرة أمام محكمة النقض فهو يستوجب الرد. 5. ان السبب السابع من أسباب الطعن هو من الاسباب الموضوعية التي تخرج عن تمحيص محكمة النقض 6. ان المادة ۱۸۲ من القانون المدني تجيز استرداد غير المستحق اذا كان طالب الرد قد أكره على الوفاء كما هو الحال في هذه القضية وتقدير ظروف الاكراه من حق قضاة الموضوع في مناقشة أسباب الطعن: من حيث أن الدعوى تقوم على طلب استرداد بدل الصلح تأسيسا على أن هذا البدل دفع صلحا عن مخالفة جمركية ثبت استحالة وقوعها وبراءة المتهمين من ارتكابها ومن حيث أن الحكم المطعون فيه الذي استجاب لمطالب الجهة المدعية وقضى بإعادة البدل أقام قضاءه على أن التهمة المسندة للمخالفين تتلخص في أنهم اتفقوا مع مأموري الجمارك على تهريب السيارة المحملة بالفلفل من لبنان الى الاراضي السورية بموجب أوراق مصطنعة لقاء رشوة قدموها وعلى أن هذه التهمة قد انتفت بقرار مجلس التأديب الذي نفي ارتكاب الموظفين لجرم الرشوة وبإبراز بيانات الما نفست للمكتب الجمركي وبالحكم الجزائي الذي قضى بتبرئة المصالح ورفاقه من جرم التهريب وعلى أن الاقرار بالمصالحة تخلصا مخالفة لا وجود لها لا يعطي لهذه المخالفة وجودا لان المعدوم لا يستحيل الى وجود بمجرد اجازته أو الاقرار به مما يجعل لدافع البدل مصلحة جدية باسترداد ما دفعه لعدم جواز الاثراء غير المشروع على حساب الغير. ومن حيث أن الجهة الطاعنة تمسكت بالأثر القانوني الناجم عن الصلح الذي من شأنه أن يحسم النزاع يحسم النزاع فيما تمت عليه المصالحة ويحول دون تجديد النزاع بهذا الصدد. ومن حيث أن الجهة المطعون ضدها تطلب رد هذا السبب تأسيسا على أنه يثار للمرة الأولى أمام محكمة النقض ومن حيث أن السبب المثار يعتبر من الاسباب القانونية التي ترمي الى تخطئة الحكم في عدم ترتيب الآثار القانونية لعقد الصلح فان من حق الطاعن أن يثيره أمام هذه المحكمة مادام أن الفصل فيه لا يحتاج الى استظهار عناصر موضوعية لم تستظهرها محكمة الموضوع. ومن حيث أن الصلح عقد فتحسم به المنازعات التي تناولها بصورة يترتب معها انقضاء الحقوق والادعاءات التي نزل عنها أي من المتعاقدين نزولا نهائيا بمقتضى حكم المادة / ٥٢١ / من القانون المدني. ومن حيث أن اقرار هذا الاثر للصلح من شأنه أن يمنع إعادة النظر في المسائل التي حسمها وللخصم أن يتمسك ضد خصمه الذي يريد الخروج عن شروط الصلح بالدفع بانتهاء الدعوى بالصلح وهو دفع لا مفر من قبوله الا اذا أبطل هذا الصلح أو فسخ لعيب من عيوب الارادة كالإكراه أو التدليس أو الغلط في الواقع. ومن حيث أن المصالح الذي يدعي أن التهمة كانت وهمية أو مستحيلة الوقوع انما كان بفرض صحة ما يدعيه لعلم وقت عقد المصالحة أن التهمة لا وجود لها وأنه بريء من ارتكابها فلم يكن عند اجرائه المصالحة ضحية غلط في الواقع فظهور بطلان التهمة ، فيما بعد ، لا يؤثر في عقد الصلح اذ من المقرر فقها أنه لا يمكن الطعن ببطلان الصلح الا اذا كان سبب البطلان مجهولا وقت عقده، اما اذا كان سببه معلوما وتصالح الطرفان وهما على بينة من الأمر فان ذلك يفيد اتجاه نيتهما الى المصالحة على سبب البطلان بالذات ومن حيث أن هذا الرأي مؤيد بما ورد في المادة / ٧٤٨ / من المشروع التمهيدي للقانون المدني التي نصت على أن الصلح يكون قابلا للإبطال اذا أبرم تنفيذا لسند باطل ، وكان المتعاقد يجهل هذا البطلان أما اذا وقع الصلح صراحة على بطلان السند ذاته فان العقد يكون صحيحا ، وقد رأت لجنة مراجعة المشروع حذف هذا النص لان حكمه مستفاد من القواعد العامة. ومن حيث أن المصالح الذي أقدم على المصالحة وهو لا يجهل بطلان التهمة المسندة اليه ، انما أقدم عليها لكي يتقي نزاعا محتملا ويدفع ما يمكن أن ينجم عنه من آثار بالنظر للأدلة الواردة بحقه فان العقد يكون صحيحا بمقتضى المادة / ٥١٧/ من القانون المدني. ومن حيث أن اعمال عقد الصلح يستتبع اعتبار النزاع محسوما بين الطرفين بصورة تحول دون تجديد النزاع بشأن البدل المصالح عليه ومن حيث أن انتفاء التهمة لا يؤدي بالنظر لما سلف الى استرداد المدفوع عملا بقاعدة عدم جواز الاثراء غير المشروع على حساب الغير لان للإثراء في هذه الحالة سببا قانونيا وهو الصلح الذي حسم النزاع بين الطرفين ومن حيث أن الحكم المطعون فيه قد خالف فيما قرره هذا النهج القانوني فانه يتعين نقضه. ومن حيث أن موضوع الدعوى صالح للحكم بعد هذا النقض وترى المحكمة الفصل فيه تطبيقا لأحكام المادة ٢٦٠ من قانون أصول المحاكمات. ومن حيث أن اعتبار النزاع محسوما على الوجه الآنف الذكر يؤدي الى رفض الدعوى القائمة على المطالبة باستعادة البدل فان الحكم الابتدائي المستأنف يغدو على هذا الاساس حقيقا بالفسخ. لذلك حكمت المحكمة بالإجماع بـ: ١ – نقض الحكم المطعون فيه ۲ – فسخ الحكم الابتدائي ورد الدعوى