تفويض المحكّم بالصلح لا يعفيه من الالتزام بالقواعد الآمرة الخاصة بالتحكيم الواردة في قانون أصول المحاكمات، خاصةً ما تعلق منها ببيانات الحكم والأجل والأصول الجوهرية؛ فهذه القواعد من النظام العام، ومخالفتها تُبطل حكم التحكيم أو ما أُسس عليه.
سواء كان المحكم مفوضا بالصلح أو غير مفوض فهو ملزم باتباع القواعد المنصوص عنها في باب التحكيم في قانون أصول المحاكمات المدنية المناقشة: في الشكل: بما أن الحكم المطعون فيه من قبل مصطفى صادر عن محكمة الاستئناف بصفتها مرجعاً للطعن في أحكام قاضي الأمور المستعجلة وفي نزاع يتعلق باكساء حكم المحكمين صيغة التنفيذ. فالحكم المطعون فيه يصدر مبرماً غير قابل لأي طريق من طرق الطعن عملاً بالمادة 227 أصول محاكمات بدلالة المادة 534 منه. صدر هذا القرار في طعن نفعاً للقانون وقد تضمن العديد من المبادىء القانونية في قضايا التحكيم ويصح أن تدرج الخلافات من 3 إلى 9 ضمن أحكام المادة 522 من قانون الأصول. ولكننا سوف ندرج القواعد المذكورة تحت حكم المادة المشار إليها. وبما ان صفة الإبرام التي أضفاها القانون على الحكم المطعون فيه من شأنها أن تحول دون قبول الطعن فيه لأن المشرع الذي يعود إليه تحديد طرق الطعن لم يشأ اخضاع الأحكام الاستثنائية في الأمور المستعجلة لطريق الطعن بالنقض مما يجعل النظر في هذه الأحكام خارجاً عن ولاية محكمة النقض. وبما أن خروج الحكم المطعون فيه عن ولاية هذه المحكمة لايجعل لها سبيلاً للرقابة عليه أو تصحيح مااعتوره من اخطاء مهما كان نوع الخطأ طالما أن المشرع أعطى الحكم المذكور صفة الإبرام. وبما أنه حتى على افتراض صحة زعم الطاعن من أن المحكمين في الحكم الذي تم اكساؤه صيغة التنفيذ لم يتقيدوا عند اصدار حكمهم بالقواعد المقررة في اصدار الأحكام ولو أنهم مفوضين بالصلح. فليس من شأن ذلك أن يعتبر من وجهة النظر القانونية المشار إليها آنفاً وبالتالي يجعل الحكم المطعون فيه خاضعاً للطعن بطريق النقض مادام ثمة نصاً خاصاً أخرج الحكم المذكور عن الولاية العامة لمحكمة النقض جرياً على مااستقر عليه اجتهاد محكمة النقض (قرار رقم 14 لعام 1984) مما يستوجب معه رفض الطعن المقدم من الطاعن مصطفى شكلاً. قضاء النقض في الموضوع نفعاً للقانون: بما أن الطعن المقدم من المحامي العام الأول في حلب نفعاً للقانون مبني على أن الاعفاء المنصوص عليه في المادة 522 أصول محاكمات مدنية في حال تفويض المحكمين بالصلح قاصر على الاجراءات الشكلية والمواعيد دون الاجراءات الأساسية سيما المتعلق منها بمحاضر الجلسات وأقوال الشهود. وإن كونهم مفوضين بالصلح لايعفيهم من تسبيب حكمهم ومراعاة الاجراءات المنصوص عنها في المادة 257 أصول محاكمات. وبما أن الشارع عندما أجاز للمتعاقد اللجوء إلى التحكيم وناط بالمحكمين أمر القضاء بين الناس إنما قيدهم عند اصدار حكمهم بأصول بينها في باب التحكيم وأوجب عليهم مراعاتها بعد أن اعطى لأحكامهم قوة مماثلة للأحكام الصادرة عن المحاكم العادية. فأوجب عليهم في المادة 521 أن يتقيدوا بالأصول والمواعيد المتبعة أمام المحاكم. كما أوجب عليهم في المادة 527 أن يضمنوا أحكامهم صورة صك التحكيم وملخص أقوال الخصوم ومستنداتهم وأسباب الحكم ومنطوقه ومكان صدوره وتوقيع المحكمين. وبما أن هذه الواجبات التي حرص المشرع على تقييد المحكمين بها وعبر عنها بلفظة الوجوب قد ابتغى منها أن تصدر أحكام المحكمين بعد البحث والتمحيص. بحيث يكون كل من الطرفين قد استنفذ أقواله وادلى بمستنداته وهدف منها إلى حفظ حقوق المتقاضين وايجاد ضمانات كافية لكلا الطرفين ولذا فإن هذه الواجبات ترتدي طابع النظام العام نظراً لتعلقها بمصلحة اجتماعية هامة ألا وهي احقاق الحق وايجاد الضمانات الكافية للمتقاضين للوصول إلى حقوقهم. ولذلك فإن مخالفة هذه الوجائب الأساسية من قبل المحكمين تجعل أحكامهم مشوبة بشائبة البطلان لمخالفتها النظام العام. وهذا هو الأساس في ارساء مبدأ التحكيم. إلا أن التحكيم في بعض الحالات لايجدي ولاتتحقق الغاية منه إذا تقيد الحكم بالقواعد المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات أو حتى بقواعد القانون لأننا نكون أمام قضاء مماثل للقضاء العادي. إلا أنه يفتقر إلى ضمانات القضاء العادي. بينما يكون الهدف من التحكيم هو الاسراع في فض النزاع أو التنازل عن بعض القواعد الموضوعية التي رتبها القانون في الحالات المماثلة. لهذه الأسباب أجاز المشرع في المادة 531 أصول محاكمات اعفاء المحكمين من التقيد بالأصول والمواعيد المتبعة أمام المحاكم. إلا أنه اشترط في هذه الحالة أن يتم الاعفاء صراحة وبشرط أن يصدر حكم المحكمين على مقتضى قواعد القانون. كما أعفى في المادة 522 منه المحكمون المفوضون بالصلح من التقيد بأصول المرافعات وقواعد القانون. إلا أنه يجب أن لايفهم من الاعفاء الذي نص عليه المشرع في المادتين 521 و 522 من قانون الأصول أن المحكم بات مطلق التصرف وغير مقيد بأي قيد وإلا لأصبح الحكم محكوماً بأهواء المحكم نفسه ورغباته لابقواعد العدالة والانصاف. وفي ضوء ذلك فإن المحكم المفوض بالصلح يجوز له أن يبني حكمه على مبادىء الشريعة الإسلامية أو على العرف أو حتى على مبادىء القانون الطبيعي وقواعد العدالة. حتى وإن كانت تتعارض مع القانون الوضعي صراحة مادام أن أساس اعتقاده أن قواعد العدالة والانصاف تقضي بذلك. كما يجوز للمحكم المفوض بالصلح أن يستمد عناصر قناعته من أي دليل دون التقيد بقواعد الإثبات المقررة في القانون (تمييز لبناني صادر في 26 / 3 / 1963 وآخر صادر في 28 / 2 / 1962). كما يمكنه صرف النظر عن تطبيق القواعد المتعلقة بالموضوع كأن يرفض الدفاع المبني على التقادم (تمييز فرنسي صادر في 3 / 10 / 1811 أو أن يقبل المقاصة في الحالات التي لاتتوفر فيها شروطها القانونية (تمييز فرنسي صادر في 27 / 2 / 1823 داللوز تحت رقم 144 و 294). ولكن حق الحكم المفوض بالصلح بصرف النظر عن تطبيق القواعد القانونية هو قاصر على القواعد غير الالزامية. أما تلك القواعد المتعلقة بالنظام العام فهي تفرض على الخصوم كما تفرض على المحكم نفسه الذي يتوجب عليه التقيد بها ولايجوز له مثلاً مخالفة قاعدة منع التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة ( دالوز تحت كلمة تحكيم رقم 143) أو مخالفة قوة القضية المقضية مالم يكن التحكيم قد خول المحكم فصل النزاع من جديد (تمييز فرنسي صادر في 21 / 6 / 1952 دالوز تحت رقم 185 ـ1 – 109) أو مخالفة قواعد الأحوال الشخصية أو الارث المتعلقة بالنظام العام كما لايجوز للمحكم المفوض بالصلح الخروج عن مبادىء المحاكمة الأساسية المتعلقة بحق الدفاع واستماع أقوال الطرفين لأنها من أساسيات قواعد العدالة والانصاف ولاتصالها بالنظام العام. كما لايجوز أن يصدر حكمه دون أي تعليل، وإنما يكفي فيه ايراد التعليل بصورة عامة تكفي للتدليل على الأساس الذي قام عليه الحكم. ذلك لأن المحكم لايؤخذ بما يؤخذ به القضاة في صدد الدقة في تسبيب الأحكام وعدم كفايته فإذا كان مثلاً تقدير التعويض مما يدخل ضمن نطاق صك التحكيم المتكون بين الطرفين. فالحكم بتقديره من قبل المحكم المفوض بالصلح لايحتاج إلى بيان الأسس التي أقيم عليها هذا التقدير كما هو شأن الأحكام وهذا ماذهبت إليه محكمة التمييز اللبنانية بقرارها الصادر في 28 / 2 / 1964 (النشرة القضائية 962 ). إلا أن المحكم سواء كان مفوضاً بالصلح أو غير مفوض معفى من التقيد بالأصول المنصوص عليها في قانون المرافعات أم غير معفى فهو ملزم باتباع القواعد المنصوص عليها في باب التحكيم لأنها قواعد عامة قصد بها المشرع رعاية مصالح الخصوم بصدد التحكيم ومنها أنه يجب أن يتضمن حكم المحكم صورة صك التحكيم وملخص أقوال الخصوم ومستنداتهم وأسباب الحكم ومنطوقه وتاريخ ومكان صدوره وتوقيع المحكمين ومنها أنه يجب على المحكمين عند عدم اشتراط أجل للحكم أن يحكموا في ظرف ثلاثة أشهر من تاريخ قبولهم التحكيم. كما أن المحكم المفوض بالصلح مقيد أيضاً بسائر بنود صك التحكيم نفسه فلا بجوز له الخروج عنها وتشميل النزاع إلى غير ماتضمنه صك التحكيم (تمييز فرنسي قرار صادر في 21 / 6 / 1852 دالوز 1854 ـ5 – 35 – دالوز تحت كلمة تحكيم رقم 300). وبما أن حكم المحكمين الذي أعطى صيغة التنفيذ بموجب الحكم المطعون فيه لم يتضمن أقوال الخصوم والمستندات التي تبين حصة كل من الفرقاء في الأراضي موضوع النزاع مما يعتبر والحالة هذه غير مراع للمادة 527 أصول محاكمات الواجبة التطبيق حتى في حالة كون المحكمين مفوضين بالصلح مما يجعل الحكم المطعون فيه الذي أعطى صيغة التنفيذ لحكم المحكمين معتلاً لمخالفته القواعد المحكي عنها آنفاً وبالتالي يتوجب نقضه. وبما أن الطعن واقع نفعاً للقانون فلا يستفيد منه الخصوم.