تحديد الاختصاص في المنازعات العقدية يتوقف على طبيعة العقد؛ فإذا اقترنت مشاركة الإدارة بارتباط العقد بمرفق عام وبشروط استثنائية تخرج عن المألوف في العقود الخاصة، عُدّ العقد إداريًا واختص القضاء الإداري بالفصل في جميع منازعاته.
ان العقد الإداري هو الذي يرمي الى تسيير مرفق عام ويرتدي طابعا مميزا لتغليب الصالح العام على مصلحة الافراد وتنصرف النية فيه الى الاخذ بأسلوب القانون العام وينطوي على شروط استثنائية خارجة على نصوص القانون العادية المناقشة: تقدم المدعي علاوي ۰۰۰ الى المحكمة الابتدائية في دير الزور. باستدعاء مؤرخ في ۱۹۹۱/۱۰/۳۰ ادعى فيه أن مجلس بلدية الميادين أحال بتاريخ ١٩٦١/٦/٣٠ بقراره رقم / ١٠ / التزام رسم عبور السفينة اليه بمعدل الف ليرة سورية شهريا لمدة ۱۸ شهرا وانه ما كاد يباشر عمله حتى انخفض مستوى مياه نهر الفرات في هذه السنة انخفاضا غير عادي فصار في امكان الافراد عبوره مع حاجياتهم بدون استعمال السفينة وتضاءل الوارد حتى انعدم في أشهر الصيف الاربعة وبالتالي أصبح الالتزام مرهقا للمدعي وان المجلس البلدي شعر بهذا الارهاق فعدل الالتزام بالقرار رقم /١٦ / وتاريخ ٥ / ١٩٦١/٨ الا ان هذا القرار لم يصادق عليه وبما أن القانون أجاز للقاضي تعديل الالتزام ورده الى الحد المعقول اذا طرأ حادث استثنائي عام لم يكن متوقعا لذلك قدم يطلب اصدار قرار بوقف التحصيل حتى ظهور نتيجة الدعوى ثم الحكم بتنزيل ستة آلاف ليرة سورية من أصل الالتزام. وبنتيجة المحاكمة قضت المحكمة بتاريخ ١٩٦٢/٨/٨ برد هذه الدعوى لعدم الاختصاص. ولما لم يقتنع المدعي بهذا الحكم استأنفه طالبا فسخه وتبين لمحكمة الاستئناف ان النزاع يتعلق بطلب تعديل وتخفيض التزام رسم العبور بسفينة الميادين من اصل الالتزام الذي هو من المرافق العامة وان العقد موضوع الدعوى هو عقد اداري من عقود الالتزام بين المستأنف والإدارة وان الفصل في مثل هذا النزاع من اختصاص مجلس الدولة وعليه اصدرت الحكم المطعون فيه المتضمن تصديق الحكم المستأنف من حيث ان الاسباب التي يعتمدها رافع الطعن تلخص بما يلي:ان عقد الالتزام موضوع الدعوى ليس من العقود الإدارية ومع ذلك فان الجهة الطاعنة لم تطلب في دعواها تعديل الالتزام وانما طلبت تنزيل مبلغ معين قدره ستة آلاف ليرة من أصل المبلغ الملتزم لقاء الضرر النازل بالطاعن الملتزم كما وإنها عادت في الاستئناف توضح دعواها تصحيحا وتقصر طلبها صراحة بهذا التخفيض فحسب مما يجعله نزاعا خاصا بالرسوم يعود امر النظر فيه الى المحاكم العادية كما هو اجتهاد محكمة النقض. في مناقشة اسباب الطعن: من حيث ان دعوى المدعي الطاعن تقوم على المطالبة بتخفيض بدل الالتزام المعقود بينه وبين الإدارة بشأن رسم العبور تأسيسا على حدوث ظروف وطوارئ غير متوقعة سببت له خسارة فادحة اخلت بالتوازن الاقتصادي للعقد مما يبرد المطالبة بإعادة هذا التوازن ورد الالتزام الى حد معقول بمقتضى أحكام المادة ١٤٩ من القانون المدني ومن حيث ان الجدل القائم بين الطرفين يدور حول تعيين المرجع المختص للفصل في هذا النزاع وهل يعود ذلك للقضاء العادي أم القضاء الاداري. ومن حيث ان الفصل في التفرقة بين الاختصاص يعود لتحديد طبيعة العقد المتنازع عليه فاذا كان من العقود الادارية اضحى الاختصاص لجهة القضاء الاداري واذا كان من العقود العادية التي تبرمها الإدارة بصفة خاصة فان القضاء العادي يختص في الفصل فيها. ومن حيث انه يتعين على ضوء ذلك تحديد خصائص العقد الاداري. ومن حيث ان العقد الذي يرمي الى تسيير مرفق عام ويرتدي طابعا مميزا لتغليب الصالح العام على مصلحة الافراد الخاصة تنصرف النية فيه الى الاخذ بأسلوب القانون العام فيما ينطوي عليه من شروط استثنائية خارجة على نصوص القانون العادية ( راجع حكم محكمة النقض ٤٣٨ لعام ١٩٦٢ ). ومن حيث أنه يبين مما تقدم أن العقد الاداري يتميز بثلاث خصائص: · ان تكون الإدارة طرفا في العقد. · أن تتحقق الصلة بين العقد والمرفق العام · ان يحوي العقد شروطا خاصة تنطوي على تغليب الصالح العام. ومن حيث انه لا جدال بين الطرفين في ان العقد موضوع النزاع استهدف تنظيم مرفق عام هو تأمين العبور على نهر الفرات بواسطة السفن التي تعهد الملتزم بتقديمها وتحديد الرسم الذي يجوز للملتزم استيفاءه مما يعتبر متصلا بالواجبات الاساسية التي تقع على عاتق الدولة بشأن تأمين المواصلات بين أجزاء الوطن فان مفاد ذلك هو توافر الشرطين الأولين من جهة الاطراف والصلة بالمرفق العام ومن حيث انه يبين من الرجوع الى دفتر الشروط الذي تم الالتزام بالاستناد إليه ان البلدية احتفظت لنفسها بحق الغاء العقد بصورة منفردة و بإلزام الملتزم بالقبول بتخفيض الرسم وتعديله الى غير ذلك استثنائية غير من شروط مألوفة في نطاق العقود وبصورة تخل بمبدأ المساواة بين المتعاقدين فان العقد المنازع عليه يغدو على هذا الاساس متصفا بالصفة الادارية. ومن حيث ان الفصل في النزاع الناشب عن مثل هذا العقد يدخل في اختصاص القضاء الاداري الشامل سواء اتعلق بصحة أو بطلان العقد او تناول مرحلة تنفيذه او تصفية العلاقات والحقوق والالتزامات التي نشأت عنه عملا بالمادة ١٠ من قانون مجلس الدولة ومن حيث ان مؤدى ذلك اعتبار القضاء العادي غير مختص بالنظر في موضوع هذه الدعوى فان الحكم المطعون فيه الذي سار على هذه القواعد يعتبر سليما وبالتالي فان الاسباب المثارة من قبل الطاعن حرية بالرفض. لذلك حكمت المحكمة برفض الطعن