لا تُحمى بدعاوى الحيازة إلا الحيازة المستكملة لعنصرها المادي والمعنوي؛ فإذا كانت الحيازة عرضية ناشئة عن علاقة عقدية كالإيجار أو الاستثمار أو الانتفاع، فإن المنازعة مع الطرف المتعاقد تكون نزاعاً على أصل الحق لا على الحيازة، فلا محل لدعوى استرداد الحيازة أو منع التعرض.
يجب ان يتوفر في الحيازة عنصران : عنصر مادي وهو السيطرة المادية وعنصر معنوي وهو نية استعمال الحق لنفسه والظهور بمظهر صاحب الحق في العقار فاذا لم يتوفر هذا العنصر كانت الحيازة عرضية مثال ذلك حيازة المستأجر والمنتفع والمرتهن حيث يجوز لهم اقامة دعوى استرداد الحيازة ومنع التعرض ضد الغير الذي يعتدي على الحيازة اذا كانت دعوى الحائز العرضي ضد الشخص المتعاقد معه فان الخلاف يكون حول الحق في وضع اليد ويشكل نزاع يتعلق باصل الحق فلا تشمله دعوى استرداد الحيازة. المناقشة: أولاً – في الشكل: من حيث أن أسباب الطعن تتلخص بما يلي: أ – عدم توافر رابطة الخصومة بين المدعى عليهم فإن كلاً منهم يضع يده على قسم من الأرض مستقلاً عن الآخر وقد أكد الخبراء ذلك في تقرير الكشف فتكون الدعوى مستوجبة الرد شكلاً. ب – إن كلاً من إبراهيم. ونداوى. وحميد. وصالح. الذين اعتمدتها المحكمة كخبراء وحلفتهم اليمين المنصوص عليها بالمادة 140 من قانون البينات هم حقيقتهم شهود فكان على المحكمة أن تحلفهم وفاقاً للمادة 138 من القانون المذكور. ثانياً – في الموضوع: أ – فيما يتعلق بقرار المحافظ وحكم المحكمة الجزائية المبرزين في هذه القضية أن الموكلين المدعى عليهم لم يكونوا طرفاً فيها فلا يضارون بهما وليس لها حجية بحقهم. ب – عدم توافر عنصري الحيازة في وضع يد المدعي فإن واضع اليد والمتصرف بالأرض موضوع الحكم المطعون فيه هم الفلاحون والموكلون وإن دور المدعي هو سحب المياه من نهر الفرات بواسطة مضخة عائدة له وسقايته مزروعات الموكلين في بعض المواسم لقاء حصة عينية من الحاصل يتفق عليها بينه وبينهم وهم أحياناً يسقون أرضهم من مشروع المدعي وأحياناً أخرى من مشروع سلمان. فدعوى الحيازة بعنصريها المادي والمعنوي غير متوفرة شروطها كما مبين ذلك من أقوال الخبراء. جـ – على فرض أن المدعي حائز للأرض فإن حيازته عرضية لأنه كان يدفع أجور الأرض للموكلين وإن مجرد دفعه الأجرة يعد إقرارا منه بأنه مستأجر، وإن المدعي نفسه قال في محضر الكشف أن القسم الذي هو غربي السد لي منه الخمس استثمره استثماراً وهو العائد إلى مصلح. حيث ليس فيه آلا الاستثمار وأدفع أجوره إلى صاحبه مصلح وأربعة الأخماس الباقية منه إلى أصحابها. الخ. فقوله هذا كاف لرد دعواه منع العرض إذ أن دعوى الحيازة لا تقبل إذا وجدت رابطة عقدية بين المدعي والمدعى عليه تترتب عليها التزامات متبادلة بين الطرفين. فعن ذلك: 1 – فيما يتعلق بالطعن شكلاً: من حيث أن كون الادعاء ينصب على قطعة أرض بحدود معينة بموضوع واحد لا يستوجب ردها شكلاً في حالة تعدد المدعى عليهم بل يبرز مداعباتهم بدعوى واحدة وجود الارتباط في موضوعها. ومن حيث أن المعاينة والخبرة والتحقيق تعتبر من جملة البينات وتبين أن القاضي لجأ في صدد الكشف والتحقيق المحلي إلى الاستعانة بالخبراء الذين سماهم الطرفان وحلفهم اليمين على هذا الأساس ولم يطعن الطرفان في بحليفهم بهذه الصفة فما ورد في سببي الطعن شكلاً لا يشكل موجباً للنقض. 2 – فيما يتعلق بالموضوع: من حيث أن الحيازة المقصودة بالمواد 64 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات هي حالة واقعية تنشأ عن سيطرة شخص على عقار بصفته مالكاً له أو متصرفاً به أو صاحب الحق عليه ومن ثم يجب أن يتوفر في الحيازة عنصران: الأول عنصر مادي وهو السيطرة المادية، وعنصر معنوي وهو نية استعمال الحق لنفسه أي الظهور بمظهر صاحب الحق في العقار موضوع الحيازة وإذا لم يتوفر العنصر المعنوي كان بمثابة حيازة عرضية كحيازة المستأجر والمنتفع والمرتهن وما شابهها ومجرد هذه الحيازة لا يؤدي إلى اكتساب الحق بالتقادم من قبل الحائز مادياً، ومن حيث أنه ولئن كان يجوز للمستأجر أو المستثمر مثلاً إقامة دعوى استرداد الحيازة ومنع التعرض لها ضد الغير الذي اعتدى عليها فإن الأمر يختلف في حالة إقامة الدعوى على المؤجر أو الشخص المتعاقد معه على الاستثمار القائم بينهما ويكون مدار الخلاف حول الحق في وضع اليد والاتفاق الجاري بشأنه وهو ما يشكل موضوع نزاع يتعلق بأساس الحق بمقتضى الاتفاق أو الالتزام وهو غير المقصود بدعوى استرداد الحيازة ومنع التعرض لها المبحوث عنها بالمواد 64 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات الموضحة في أسبابه الموجبة. ومن حيث أن القاضي لم يسر على هذا النهج القانوني في حكمه المطعون فيه فقد أقام قضاءه على أنه سواء أكان المدعي مستأجراً بدفع الأجور للمدعى عليهم أو يستثمره لحسابه الخاص فهو حائز له أكثر من سنة بدون انقطاع حيازة مادية ومعنوية لم تنقطع حيازته إلا عندما تعرض له المدعى عليهم مع أن قوله في محضر الكشف بأنه مستثمر بدفع الأجور إلى المدعى عليهم يستوجب تبين واستجلاء العلاقة بين الفريقين والأساس القائم عليه وضع اليد يكون الطعن وارداً على الحكم المطعون فيه ويجعله سابقاً أوانه ومستوجباً النقض عملاً بالفقرة (د) من المادة 250 من قانون أصول المحاكمات. لذلك حكمت المحكمة بالإجماع بنقض الحكم المطعون فيه لما سبق بيانه.